قصص

ريــــاح الشمـــال

ريــــاح الشمـــال

سلمى محمــــد شاقــــــول

2026-05-18

كعادته كل صباح، يقف أمام المرآة يسّرح شعره الأسود، ثم يرفعه للأعلى ويربطه بمطاطة فيصبح كذيل حصان كما تفعل الفتيات، كانت أحدث تسريحة سرقها الرجال من النساء.
والآن بدأت الحيرة ماذا سأرتدي؟!
قميصا مخططا أم معطفاً
... راح رجا يبعثر ملابسه هنا وهناك عله يجد ضالته.
كل يوم نفس الطقوس يقضيها في إختيار ملابسه وتسريحة شعره وتلميع حذائه، كان يهتم بمظهره وأناقته جدا.
كان رجا رَبع القامة لا بالطويل ولا بالقصير، وجهه مشرّب بالحمرة وكأن الخجل يكسو محياه، عينان سوداوان واسعتان كسماء غاب عنها القمر.
اقترب رجا من المرآة يضع اللمسات الأخيرة
آه.... ماهذا؟؟؟
شعرة بيضاء يا إلهي...
آه وهذه أخرى
شعر بالضيق والحنق هذه علامات الشيب؟؟!!
في هذه اللحظة وهو يفكر بشعراته البيضاء، سقطت قارورة العطر الزجاجية، تناثر الزجاج وانسكب العطر
نظر إلى الساعة والغضب بادٍ على وجهه
يا إلهي لقد تأخرت..
أغلق الباب وخرج مسرعا.
ثمة غرفةٍ لاتتجاوز العشرة أمتار يجلس رجا خلف طاولةٍ
تتكدس فوقها أوراقٌ بيضاء؛ هي معاملات المواطنين،
وبالجهة المقابلة يجلس السيّد مرتضى زميله في العمل،
من خلف نظارته لاحظ مرتضى انزعاج رجا وتجهمه
- مابك؟
أجابه رجا: تلك الشعرات البيضاء اللعينة،
- آه ياعزيزي لم كل هذا الانزعاج الشيب وقار..
قهقه بصوتٍ مرتفع،
سأل مرتضى: كم عمرك عزيزي رجا؟
- الشهر القادم أصبح في الأربعين،
أجاب رجا..
- آه.. أبناء الأربعين زرعٌ دنا حصاده.
وقعت تلك الكلمات على مسامع رجا فهزت كيانه وكأنه سقط في بركة ماء.
يا إلهي مضى العمر سريعاً ولم انتبه!!
كان رجا وحيداً لأمه، قد توفي والده وهو في الخامسة ولم تتزوج والدته بعد أبيه؛ فقد كرست حياتها لتربيته والعناية به.
كان رجا مستغرقا في عمله عندما طُرٍقَ الباب،
دخل شابٌ في العشرين من عمره بهّي الطلعه مشرق الوجه، وبأدب جم قدم طلب إجازة للسيد مرتضى.
- لم تريد الإجازة؟ سأل السيد مرتضى
هل أنت مريض...؟!
لا لست مريضاً،
أريد أن ألتحق بصفوف الحشد الشعبي.
- آه صحيح لقد علمت بالأمر البارحة مساءً.
وقّع الإجازة مع الموافقة..
تفضل بني ّ..أرجو أن تعود سالماً غانماً.
أعطاه ورقة الإجازة وهو ينظر إليه نظرات ودٍّ وامتنان.
- قلت إنك علمت بالأمر يوم أمس..؟
أيّ امر..؟! سأل رجا
- لقد أصدرت المرجعية في النجف الأشرف فتوى الدفاع الكفائي، وبموجب هذه الفتوى يتوجب على كل مقلدي المرجع الديني الأعلى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني أن يدافعوا عن العراق وعن أراضيه التي دخلتها زمر داعش الإرهابي.
- سمعت أنها دولة إسلامية..قال رجا
- آه ياعزيزي بالاسم فقط،
لكنها أبعد ماتكون عن الإسلام الحنيف الذي يدعو لنشر المحبة والسلام بين الناس،
هذا التنظيم منذ نشأته يقوم على سفك الدماء واستباحة المحرمات وهتك الأعراض، وسبي النساء،
إنه لايمت للإسلام إلا بالمظهر الخارجي فقط.
عاد رجا إلى المنزل ومازالت صورة ذاك الشاب الفتي عالقة في ذهنه، وكلمات السيد مرتضى ترن في مسامعه
أبناء الأربعين زرع دنا حصاده.
وضعت والدة رجا الطعام وجلسا معا حول المائدة.
- أمي نحن من نتبع..؟
- نتبع ماذا...؟ أجابت والدة رجا
- في أعمالنا وعبادتنا وباقي المسائل التي يصعب علينا إختيار االفعل الصحيح.
- آه.. تقصد من نقلد
بني ّ.... نحن نقلد السيد السيستاني
- أمي، لقد أصدر فتوى الدفاع المقدس بالأمس.
- علمت بذلك.بنيّ
- إذا المفروض أن أنفذ الفتوى
- ولكن يابنيّ ليس لدي إلاّ أنت في هذه الدنيا
مَن لي غيرك
- أمي...أرجوك اسمح لي
كانت أم رجا ممن يصلح على تسميتهن زينبية النشأة والتربية.
- كنت أود أن أطرح عليك الموضوع لكن حبي لك منعني من ذلك.فانت وحيدي وثمرة فؤادي وعكازي في شيخوختي..
- تقدم رجا نحو أمه، قبل يدها ورأسها،
دعاءك ياحنونة...الواجب واجب.
في هذه اللحظات ضاق صدر أم رجا وكأن الكون فرغ من الأوكسجين.ما إن همّ بالخروج من المنزل
- رجا...توقف
استدار رجا صوب والدته..تقدمت نحوه علقت على جيده حرزا كانت قد هيأته له بالأمس.
التحق رجا بمجموعة من مجموعات الحشد الشعبي التي تكونت بفتوى من المرجعية الدينية العليا.
هناك عند تخوم المدينة التي وصل الإرهابيون إليها وزِعت المهام على أفراد المجموعة، كان من نصيب رجا الرصد والاستطلاع.
- رجا... مهمتك مراقبة تحركات الأعداء وإرسالها إلى القيادة عبر جهاز الإرسال. خاطبه قائد المجموعة.
يجب أن تبقى يقظا وحذرا
- حاضر.... أجاب رجا
كان رجا سعيداً جدآ هي المرة الأولى التي يشعر فيها أنه ذا قيمة وأنه رجل كباقي الرجال.
- رجا تعال الشاي جاهز... ناداه أحد الرفاق
بخطى رشيقة كخطى غزالٍ فتيّ نزل من فوق الساتر
رائحة الهال تملأ المكان إنه الشاي العراقي ذا المذاق الرائع.. كانت مهمة رجا تتطلب تناول الكثير من الكافيين.
تحت ظل نخلة ٍ سومرية معمرة جلس أفراد المجموعة يتناولون الشاي، في تلك الأثناء داعبت اجفان رجا نسمات هواءٍ عليلة فاستسلم لها وغط في نوم عميق.
وماهي إلا لحظات حتى حلق عالياً في السماء كان يعلو ثم يعلو والأشجار والأبنية تصغر شيئاً فشيئاً، فتح جناحيه أكثر وحلق أكثر كنسر يجتاز السحب ويرتطم بالغيوم، عصفت الريح وزمجرت حاول رجا أن يثني جناحيه ويقاوم الريح لكن الريح أقوى.
كُسِرَ جناحاه وتهاوى إلى الأرض
فتح عينيه ليشاهد يد رفيقه تهزه بقوة
- مابك رجا... لم كنت تصرخ...؟
- آه.. لاشيء... أجاب.
شعر رجا بانقباضٍ في صدره، ربما هو الحلم.
حل ّالليل سريعاً هادئا
صمتٌ مطبق
حتى خفاش الليل لم يحضر هذه الليلة.
كان رجا يراقب من خلال المنظار المثبت بين الكتل الاسمنتية وأكياس الرمل التي اصطفت فوق بعضها البعض لتكّون سدا منيعا عصياً على الاقتحام
- صاح رجا إنهم قادمون..... استعدو
ما إن أتم كلماته حتى ملأ أزيز الرصاص المكان
القذائف والنار من كل صوب مابين صدّ ورد ّ
ضاع صوت رجا وصداه
آه... أبي... اشتقت لك كثيرا
هيا لنذهب بني ّ... لكن
أمي....
فتح رجا عينيه ليشاهد والدته وهي ترنو له بنظراتها المعهودة العامرة بالحنان والعطف وفي يدها خرقة مبللة بالماء تمسح بها جبينه المعفر بالدماء والتراب
عاد رجا من المعركة بلا قدمين
قد سرقتهما رياح الشمال.