قصص

غرفــــــة ج

القصة الفائزة بالمركز الأول في مسابقة القصة القصيرة، إحدى فعاليات مهرجان فتوى الدفاع المقدسة الثقافي بنسخته الثامنة 2024م.

غرفــــــة ج

علــي لطيف كاظــم

2026-03-02

- العراق –
نهار مكفهر وبرد قارس وأوقات قادمة بعنوان مجهول وحسرات في مسافات الرحيل.
ممر آمن لخروج العوائل التي تحمّلت جبروت زمرة الضلال وهي تعبث بقرية صغيرة جاؤوا إليها برسالة الدمار، وتمكّنوا من قتل رجالها الذين رفضوا الرضوخ واختاروا الموت على زمن الذل مع الغرباء.
قوافل النساء والأطفال تشق الطريق، أقدامهم تغوص في الوحل ليعبروا الى ضفّة الخلاص تاركين وراءهم قصص جميلة لقرية آمنة كانت تزهو بالخضرة وألوان أجنحة الفراشات وضحكات الأطفال في حقولها النديّة.
رجال الحشد البواسل والقوات الأمنيّة تراقب الطريق؛ لغرض حماية المغادرين، وتحديد هوية المجرمين الذين يرومون الهروب تحت ظل العوائل.
عيونهم ترمق البعيد لغرض الانقضاض على بقايا الزمرة الدمويّة من الذين سيخوضون المعركة التالية.
سامر وعادل ومنير.. ثلاثة جنود لم يفترقوا أبداً.. نيرانهم تتسابق الى صدور البغاة ويفترشون السواتر ويشمّون عبق التراب الذي يتصاعد مع أزيز الرصاص.
يمتلكون عيون الصقر وقلوباً دافئةً ودموعاً تقف عند تخوم الأعين، تتناثر مع بكاء طفل وأنين أم وخوف عجوزٍ.
وفي لحظة منفلتة تقع عين عادل على امرأة خمسينيّة تتلفّت يميناً وشمالاً.. اقترب إليها وسألها عن سبب حيرتها، فقالت له:
- فقدت ابنتي، عمرها أربع سنوات.
الشحوب يعتلي وجهها وآثار التعب تُنبئ عن أيّام من العذابات والقهر.
عادل يهرول باتجاه المرأة.. سكتَ طويلاً.. رأى في عينيها سيلاً جارفاً من الحزن.. يغادر الجمود ويسأل عن ألوان ملابس ابنتها وقد اتخذ القرار بالمساعدة.
الوضع خطر جداً وهذه المرأة لن يهدأ لها بال إلّا برؤية ابنتها.
عادل يخبر سامر ومنير بالأمر والثلاثة راحوا يبحثون بجنون.. الأم الحزينة تكاد تفقد الأمل.
جلست على تلةٍ من التراب وهي تئن وتوجّه لنفسها عبارات اللّوم وتقولها بصوت شاجن.
جفون عينيها تهدّلت وصوتها يفقد قوّته والحروف انتبذت ولم يعد لها مكان.
بعد ساعتين من البحث والسؤال لكل من يخرج من القرية تمكّن سامر وصديقاه من العثور على الطفلة الضائعة واحضارها الى أمّها التي عادت إليها الحياة برؤيتها.
تعانقا وامتلأت رئة الأم بالاطمئنان وتقدّمت بالشكر للجنود الثلاثة.
المرأة الخمسينية تأخذ الطفلة وتنصرف والجنود الثلاثة ينظرون إليهما ولكن تفكيرهم ما زال معلّقاً بحكاية لم تكتمل فصولها.
نظرات سامر تجمّدت تجاههما، في جعبته شئ ما.
ماذا يريد أن يقول؟ لقد عرفها للتو! ماذا ينوي أن يفعل؟
أسئلة كثيرة تبادلها منير وعادل بصمت وهم يتابعان صديقهما الذي يحمل هموم الناس على كاهله.

(2)
بعد 5 أيّام.
الليل يمطر ظلاماً وبرداً والفاتحين يدخلون القرية لمطاردة المحتلين وهي واحدة من مجموعة قرى استباحها المجرمون وسرقوا أمانها.
مقاومة هزيلة من خلف الجدران وآخرون يستسلمون بعد إدراكهم حجم الخسارة.
الفاتحون يبسطون سيطرتهم ولكن الحزن يقول كلمته.
لم يبقَ شئ على حاله.. القرية التي كانت تغفو على أصوات العصافير باتت أشلاء.. فالعبثيّون لايفقهون الجمال، وداسوا بإقدامهم المثقلة بالمقت على أحلام الآمنين.
هذا ملخّص مايدور في خلد الأصدقاء الثلاثة الذين خرجوا للتو بصحبة زملائهم من معركة شرسة لاسترجاع هذه القرية التي ودّعت أهلها في ليلة حزينة.. يعيشون فيها منذ فترة طويلة ولهم فيها ذكريات، عمرها يقاس بسعادة أهلها وبساطتهم ومساحة الألفة والمودة التي كانت تفوق مساحة أراضيهم الزراعية.
وقف سامر وعادل ومنير بملابسهم التي امتلأت بالتراب والدم أمام البيوت المدمّرة والنخيل التي فقدت هيبتها، وحاولوا أن يتذكّروا كيف كانت قبل هذا الخراب ويتصوروا حال الناس الذين كانوا هنا قبل أن تُخطف القرية من قبل زمرة السفاحين.
عادل ومنير يتحركان بضع خطوات، ثم يلتفتان لسامر الذي لايزال واقفاً بلا حراك.. عادل يسأل:
- هل ستبقى في مكانك؟
منير يقترب من سامر الذي يأبى الإجابة.
- تحرّك، علينا أن نجد مكاناً للراحة.
سامر ينظر إليهما قائلاً:
- ظننتكم تعرفون الطريق الصحيح.
فيرد عادل ساخراً:
- وهل تعرف أنت الطريق؟
سامر يحثّهم على السير:
- إذا أردتم مكاناً آمناً نرتاح فيه ونأكل، فرافقوني..
منير يضع يده على كتف سامر:
- احذر، أعتقد أنّ هذا الطريق تنتشر فيه العبوات.
سامر يرد بكل ثقة:
- لم تذكر هذا الأمر من قبل، وخصوصاً عندما ذهبت برفقة الأخ.
حالة الصمت تسيطر على المكان والجميع يتبادل النظرات.
منير ينظر الى الشوارع الخالية ثم قال:
- سنمشي معكم وأمرنا إلى الله.
الثلاثة يسيرون بين أطلال المنازل وبقايا الأحجار والدجاج والبقر الممزق ورائحة المكان تكاد تفتك الأنوف.
عادل ومنير ينظران الى ثقة زميلهم وأخذ القلق ينتابهما وتبادلا الحديث بصوت خافت.. عادل يهمس:
- منير، ما الأمر؟ إلى أين نحن ذاهبون؟
- لا أعرف.
وبعد أن قطعا مسافة طويلة، كلاهما يقف، سامر ينظر إليهما، ثم قال:
- لماذا توقفتم؟
عادل يرد:
- سامر، لقد استمعنا إليك طوال الطريق، ودائماً كانت توقعاتك صحيحة، لكن هذه المرة نريد أن نعرف إلى أين نتجه؟
سامر يشير بيده:
- وصلنا المكان.
عادل ومنير لم يتحركا من مكانهما.. سامر يتركهما ويمشي لوحده.
منير صارخاً:
- ماذا؟ هل وصلنا إلى المكان؟ أرجوك، توقف.
سامر يمشي في المقدمة وعادل ومنير ينظران بحذر يميناً وشمالاً.. منسوب القلق يرتفع.
التعب والإعياء يظهران على وجهي عادل ومنير ويواصلا السير خلف صاحبهما.

(3)
سامر يقف أمام بيت قديم يكاد يكون هو الأكبر من بين بيوت القرية.
الدمع يتقافز من عينيه، عادل ومنير مندهشان من فعله ولا يعرفان ماذا يفعلان ويكتفيان بالنظر.
سامر يدفع الباب الخشبية الضعيفة وإذا بغبار التراب يتصاعد ويدخل للبيت بهدوء وكأنه مدعو عند أصحابها.
عادل ومنير لا يزالان في الخارج.. ذهول من فرط الثقة في مكان يجهلونه.
يدخلان ويكملان متابعة المشهد.
الطابق الأرضي مكون من غرفتين فقط.. لا مؤشر للحياة وإنما سكون مخيف وذرات غبار تتزاحم مع بعضها في مسار رفيع لضوء الشمس القادم من فتحة علوية.
سامر ينزل الى الأرض ليمسك بصورة كبيرة تكسر زجاجها لرجل مسن ويقوم بمسحها وراح يعلقها على الجدار.
ينظر الى كل زاوية في البيت دون أن ينبس بحرف، يوجّه نظره الى كل شئ.
وبعد أن تشبّعت عيناه من الألم التفت الى زميليه.
منير يضع أنامله على حاجيّات موجودة على طاولة خشبية ويقول:
- بيت غريب... من المؤكّد أنّ أهله توفو رحمهم الله.
عادل يضع يده في جيبه ليخرج قداحته ويشعل نصف شمعة يعلوها خيط ابيض رفيع ليضئ المكان.. ينظر لزوايا البيت ثم يقول:
- هل سنبقى هنا؟ أم ماذا؟
سامر يتوجه الى غرفة بابها من الخشب القديم.. تتوسطه بقايا عبارة(غرفة ج) مكتوبة بأنامل مرتجفة ويتدلى من جانب الباب قفل ملتوٍ غير صالح للبقاء.
عادل ومنير يجلسان على بقايا الكراسي المحتضرة ويبدأ عادل بالسؤال:
- منير: "لاحظت شيئاً غريباً؟ هذا البيت متكامل وكأن أهله موجودون. تقريباً كل شيء في مكانه.. فقط يخلو من ساكنيه !
- قبل قليل قلت عن أهل الدار (رحمهم الله)!
- لا أعرف... هنالك سر غريب في هذا البيت... القرية مدمّرة بالكامل، أمّا هذا البيت فلم يمسّه شيء.. هل من المعقول أنّ (الدواعش) لم يدخلوا إليه؟
- اترك أمر الدواعش واسمعني.. هل تعلم ما أتمناه الآن؟.. أن آكل قليلاً من الطعام وأنام حتى ظهر اليوم التالي لأستريح.
- من حقك التمني ياصديقي !
بعد 30 دقيقة يخرج سامر من الغرفة وعيناه مغرورقتان بالدمع.. يمسح عينيه ويدخل الى الغرفة المجاورة.
عادل يناديه:
- سامر، إلى أين تذهب؟ هل هو منزلك لتذهب أينما تحب؟
بعد وقت قصير يخرج سامر وفي يديه بيضتان وعبوة فيها قليل من الزيت.
منير يتحدث مازحاً:
- لا تخبرني أن هناك دجاجاً في الغرفة.
عادل يرد:
- وهل هنالك حيوان سَلِمَ من الرصاص؟
سامر محاولاً الهروب من الإجابة:
- دعونا من الأسئلة، وهيا لنأكل.
بدأ سامر يدفع باسطوانة الغاز الوحيدة المتبقية في البيت وهو يدعو الله أن تكون ممتلئة وإلاّ فالنتيجة ستكون مخيبة، وهذا يعني أنّهم سيضطرون لجمع الخشب وحرقه.
قام سامر بتقريب الاسطوانة من الطباخ وأخرج القداحة ليشعل النار وتفاجأ الجميع بألسنة زرقاء ووضع سامر المقلاة ورش القليل من الزيت وبعدها قام بكسر البيض في إناء زجاجي وقام بخفقه ووضعه في المقلاة وأخذت الرائحة تملأ المكان.
عادل ومنير يفرشان قطعة قماش على الأرض وسامر يضع المقلاة لياكلوا منها.

(4)
الساعة الآن العاشرة مساءً ودرجة الحرارة انخفضت كثيراً والإحساس بالبرد يوازي وحشة المكان.
الجنود الثلاثة يتكئون على الجدار.. منير يخرج علبة سجائره ليشعل واحدة منها باسترخاء، يتحدث مع نفسه بصوت هادئ:
- أحتاج إلى سيجارة مع قدح من الشاي..
ضحك عادل من كلام منير قائلاً:
- ومن أين نحضر الشاي؟..
عادل يطلب سيجارة من منير.. أمّا سامر فقد قام من مكانه ودخل مجدداً للغرفة الأولى.
عادل كعادته في المزاح الذي تخالطه الابتسامة:
- سامر، إذا عثرت على الشاي، أحضر لي قدحاً.
خرج سامر من الغرفة وفي يده اليمنى حفنة شاي ونظر إليهم قائلاً:
- شاي بالهال، مخلوط بالقهوة، والورد المحمدي.
منير ينفجر ضحكاً ويقول:
- اخبرني يا سامر هل هنالك بائع نشتري منه!
ينتهي سامر من تحضير الشاي وبعد ان شرب الجميع شعر عادل ومنير بالنعاس فخلدا الى النوم وهما في مكانهما.. أمّا سامر فتنتظره مهمّة أخرى.
يدخل سامر الى الغرفة الأولى ليجلب عدداً من البطانيات ويضعهما على جسدي زميليه.
وبعد مضي ساعتين يحاول منير أن يغيّر وضعيّة نومه فيسمع أنين من إحدى الغرفتين.
أنين بعيد ولكنّه يخترق السمع.. يحاول أن يركّز أكثر.
وبينما التعب يثقل جفون عينيه، يرى خيال شخص يمر ببطء ويعبر من مكان الى آخر.
تارةً يحمل دلو ماء وأخرى حاجيات.
ضجيج في مكان كان يعاني من الاغتراب ولكن ايعازات العقل تفرض السكوت ولا مجال للنهوض.
يعود منير الى نومه اذ استسلمت قواه ولم يعد قادراً على فهم ما يحصل.

(5)
الساعة الآن الثامنة صباحاً.
الصدفة تجعل عادل يستيقظ من نومه وينتبه لسامر وهو يتنقل بين الغرفتين.
ثمة ذهول يلف رأسه.. يسير عادل بهدوء نحو الغرفة ج التي دخلها سامر للتو وقبل أن يضع يده على الباب يخرج سامر.. وقفا وجهاً لوجه.
سامر بنظرة الرفض وعادل بنظرة الفضول.
سامر يضع يده على صدر عادل قائلاً:
- الى اين تذهب ؟
عادل يسأله:
- أريد أن أرى؟
- عادل ارجع مكانك ولا تحاول الدخول للغرفة.
- لماذا لا تخبرني... سامر ماذا يوجد في هذه الغرفة؟
- لا يوجد شيء في داخلها.
- إذن لماذا تمنعني من رؤيتها.
- ستعرف ذلك قريبا.
- لااااااااا.. اخبرني الآن.
الصراخ أيقظ منير.. عادل توجّه إلى منير قائلاً:
- انهض وانظر ماذا يريد صديقنا.. فهو يمنعني من دخول الغرفة.
منير يتحرك باتجاه سامر:
- ما هي قصة هذه الغرفة.. لحظة لحظة... لا أعلم إن كنت أحلم أم في يقظة، فقد رأيت امرأة تخرج من هذه الغرفة وهي تحمل بيدها مجموعة من الأدوات.. كما سمعت صوت آنين، سامر أخبرنا ماذا يحدث هنا؟
عادل في حالة ذهول:
- هل يوجد أحد معنا في البيت لا نعلم به؟
منير لم يتمالك نفسه:
- سامر، هل هذا البيت تسكنه الأرواح، وأنت تعرف ذلك؟ لا أريد البقاء هنا.
سامر يلتزم الصمت ولم يرد.. وبينما الأنفاس تتصاعد ينتبه الجميع لصوت أقدام تقترب من البيت ثم طرقات خفيفة على الباب.
عادل ومنير يهيئان سلاحهما.
سامر يشير إليهما بخفض السلاح وذهب بنفسه ليفتح الباب وكأنّه يعرف الضيف.
يفتح الباب وإذا بالمرأة الخمسينية التي أضاعت ابنتها في الممر الآمن واقفة أمامهم.
سامر يستقبلها بهدوئه المعتاد ولكن الذهول أصاب عادل ومنير.
يفسح لها الطريق كي تدخل.. وانبرى لها منير بالسؤال:
- من انت ؟ ألم تخرجي.. لماذا عدتي مرة أخرى؟
سامر يضع يده على كتف منير قائلاً:
- رجعت لتكمل واجبها، أم حسن جارتنا هي ممرضة تعمل في المستشفى وكانت تعالج الجرحى.
سامر يفاجئ عادل ومنير بأنّه يعرفها جيداً.
منير يصرخ بوجه سامر:
- هيا.. هيا أخبرنا، ما هي الأسرار الأخرى التي أخفيتها عنا، رغم أنّنا نرافقك وأعيننا مغمضة.
عادل يضرب يده على الجدار:
- لماذا اخفيت علينا هذا الأمر.. لماذا لا تتكلم عن أمر هذا البيت؟ ولماذا نحن هنا؟
المرأة الخمسينية محاولة تهدئة الموقف:
- لا داعي للانفعال... نحن في ظرف خاص.
منير يقف أمام المرأة الخمسينية:
- والآن من سيخبرنا بالحقيقة؟
المرأة الخمسينية تتحدث بغضب شديد:
- الحقيقة الوحيدة التي عليك معرفتها هي أنني وجدّة سامر بقينا نسعف الجرحى، وندفن الموتى، ونساعد الحوامل والأطفال.
الحقيقة الوحيدة التي عليك معرفتها هي أن حياتنا تدمرت.
الرجال عُذِّبوا وذُبِحوا، وأهلنا وجيراننا دفنّاهم في المزارع والبيوت، النساء الحوامل فقدن حياتهن أثناء الولادة، وأطفال ماتوا من البرد.
تلتفت الى سامر وتتحدث بغضب شديد:
- سامر، ألم تخبرهم لماذا اخترت هذا البيت دوناً عن باقي بيوت القرية؟
المرأة الخمسينية تشير الى الغرفة ج.
- ألم تخبرهم من في هذه الغرفة؟
منير وعادل يستمعان لحديث المرأة الخمسينية وينظران الى سامر الذي حاول أن يخفي عنهما سرّ هذا البيت.
سامر يتوجه الى الغرفة ج ويفتح بابها بهدوء ويوجه كلامه لعادل:
- تعال معي.. هل تريد التعرف على محتويات الغرفة؟ تفضل.
منير يسير بخطوات صغيرة نحو الغرفة ويقف عند مقدمة الباب.. غرفة فارغة.. لا تحتوي على أثاث ولا بشر.. وبعد برهة من الزمن يسمعون صراخ طفل رضيع.. يبدو أنّه يشم نسائم قريته المعذبة.
صراخ الطفل هو بوصلة منير.. يمشي ببطء نحو زاوية الغرفة.. يرى غطاء حديدي مرفوع ويلامس الجدار.. يقف عند الغطاء ليرى فجوة بحجم شخص واحد.. يبدو أنّه سرداب البيت الذي لم تصل إليه الجماعات التكفيرية.
سامر ينزل الى السرداب ومن خلفه منير وعادل والمرأة الخمسينية.
منير يرى غرفة تحت الأرض تحتوي على أربعة أسرّة.. اثنين منها لنساء.. واحدة انجبت قبل أيّام وأخرى انجبت للتو وبجانبهما طفلاهما وهنالك طفل جريح وآخر فقد احدى ساقيه.
سامر يشير الى جدته:
- هذه جدتي.. كانت تخرج ليلاً من الغرفة لتحضر الطعام وتغيّر ملابس النساء وأطفالهن.
وهذا ابني، عمره ست سنوات.. عندما كنت معكم في الواجب، علمت أن ساقه بُترت بسبب عبوة ناسفة.. أمّا زوجتي فقد توفيت.
سامر يقف أمام منير:
-أتريد معرفة سرّ عبارة غرفة ج؟
المرأة الخمسينية تقف وسط الغرفة وتنظر الى (منير) و(عادل) متحدثة بصوت منكسر:
- هذه الغرفة هي غرفة إسعاف أهل القرية.. وسامر أحضركم إلى هذا البيت كي تشاهدوا بأعينكم وتنقلوا ما ترونه للناس.. اثنتان من النساء الأرامل قاتلن التكفيريين، وأسعفن الجرحى، ودفنّ الموتى.
أخبروا الناس أنّ هناك أربعة أطفال سوف يكبرون ويصبحون رجالاً، ويعيدون للقرية هيبتها وكرامتها، ويدافعون عنها.
من الضروري أن يفهم العالم كله أنّ الحشد برجاله ونسائه وأطفاله، قد كتب للتاريخ ملحمة إنسانيّة أبطالها كبار وصغار.
عادل ومنير يشعران بالخجل من سلوكهما.. شعرا باستعجالهما لمعرفة مايدور حولهما.
في حالة ضعف أمام بطولة حدثت خلف جدران البيوت والغرف، من صبر ينتصر على طغيان، وقوة تنسف قوافل الكراهية.
عادل يقترب من سامر:
- لماذا منعتنا من معرفة ما يوجد في الغرفة؟ وما سبب الخوف؟
جَدة سامر تستجمع قواها قائلة:
- من أين نخاف، ونحن الذين قاتلنا وتحملنا كل المصاعب؟ أنا منعت سامر أن يخبركم.. كي تنجب هذه المسكينة.. رب العالمين قد كتب لها عمراً جديداً، فقد كانت حالتها صعبة جداً.
سامر يقبل جبين ابنه المعاق.. يجلس على السرير وينظر لعادل ومنير:
- سمعتما شيئاً مختلفاً هنا، وحتى وجودي معكما كان مختلفاً.. أنتما تقاتلون لتحرير القرية.. وأنا أقاتل لتحرير القرية ولرؤية جدتي وابني والعودة إلى هذا البيت.
وفي هذه اللحظات يسمعون مكبرة الصوت التابعة لرجال الحشد وهي تعلن عن تحرير القرية بالكامل من دنس وشرور المعتدين.
سامر يعانق ابنه وجدته.. المرأة الخمسينية تطلق الهلاهل (الزغاريد) وتعلو الابتسامة على محيّاها لأول مرّة منذ أن حلّت على القرية أعاصير القلق والخوف، وأخرجت من حقيبتها الصغيرة صورة ابنها الشهيد وراحت تُقبلّه.
عادل ومنير يعانقان صديقهما سامر.
ابن سامر يطلب من والده أن يخرجه من السرداب كي يرى القرية.. يمسك العصا الخشبية التي يتكئ عليها وأخذ يتشبث بأنامل والده.
وما أن خرج الى قريته ووضع رجله السليمة على الأرض حتى لمح الخراب والهلاك.
بقي واجماً لحظات ثم انفجر باكياً عندما رأى دراجته الهوائية قرب البيت.