قصص

المهمة

القصة الفائزة بالمركز الخامس في مسابقة القصة القصيرة، إحدى فعاليات مهرجان فتوى الدفاع المقدسة الثقافي بنسخته الثامنة 2024م.

المهمة

حسيــــن النعمـــة

2026-03-02

- العراق –

«استوحدوه.. فصار أمّةً» عنوانٌ يخطه المقاتل «محمد» (من قوات لواء علي الاكبر عليه السلام اثناء عمليات إجلاءِ الناجين من بطش عصابات داعش الاجرامية في قرية «ياسين الحلبوص»، غرب ناحية تل عبطة التابعة إداريا إلى قضاء الحضر في محافظة نينوى) فلم يبخل بجهده البتة عن تدوين انتصاراتهم وبطولاتهم ويقربها من واقعة الطف، وكان كلما سنح الوقت له اقتنص منه ما يستطيع ليغازل مدونَته بسطور مدادِه عن جهادهم وبسالتهم.. وفي خضم الواجب أسرع بتهيئة ما يقع عليه وأكمل تجهيزاته قبل الآخرين استعدادا لتنفيذ مهمة خاصة كُلفَ بها ضمن فصِيل مُكلَّف بنجدة أسرى القرية.. فسرق بعضا من وقته وكتب مجلجلا في مقدمة تدوينته عن واقعة كربلاء، كيف استوحد القوم الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء؟ فصار أمةً وشعارًا لكل الاحرار: (سيتجلى عراقنا كما الذي ضمِّ جسده الطاهر منذ يوم عاشوراء، فأزيز الخفافيش التي راودت الضياء.. وتجرأت على وأدِ الصباح.. لا زالت تسدل ستار حكاية ديمومة ليلٍ يطير إلينا بأجنحة الحقد والنقمة..).
أما صاحبه «زيد» يشاهده منهمرا بالكتابة بينما ينشغلون هم بتهيئةِ عدَّتهم للمهمة المكلفين بها، فاستغرب منه وانتقدَ عملَه وبادره باستفزاز:
- كاتبنا المُبجَّل، اسمعت الأخبار فما أهمية ما تدوّنه؟ اذا لم يستمر الحشد؟..
على روية وعن دراية يلتفت «محمد» إليه ويفحمه بجوابه الذي سمعه باقي الفصيل بما فيهم آمرهم:
- الأشياء الصادِقة يا صديقي فقط هي التي تَـسـتـمر (الأشـــخاص.. المَــشـــاعر.. الاهتمام.. جميعها)، لو انقطعت فـَأعلم أنهـا كانـت مـنـذ البِـدايـة كذباً وإدعاءً، نعم.. إنّ الاستمرار والثـبـات للصــادقـيـن إن أحــســنوا الاختيار فـي كل شــيء يا صديقي.
تقهقه «زيد» ثم رمقه ورام أن ينهي حديثهما بقهقهته هذه، فوقت الاستراحة شارف على النفاد، فما لبث «محمد» أن ينهي قهقهته مربّتاً على كتفه بحنوٍ وهو يقول له:
يا صديقي في العراق (عمامة).. أذا تحدثَ ملأهُ حشدا.
يقفان أمامَ آمر الفصيل ويزأران مع البقية كالاُسْدِ مستعدين للانطلاق الى المهمة التي كتب عنها محمد فيما بعد:
سنرمي أحجارنا لنعكر مجرى نهرهم الصاخب، ونشكل دوائرنا غير المتلاشية.
لا زالوا يسيرون قاطعين مسافات طويلة خارج بلدة تل عبطة وبحذر ورويّة بين منحدرات وهضاب حتى وصلوا أراضي سوداء كانت لمحروقات الحنطة والشعير التي اضرمها ارهابيو داعش، فباتوا على مقربة من القرية، وقبل أن يلجؤا الى ركام بيت مهجور حذّرَ آمر الفصيل من المفخخات والكمائن ووجه أمرا لأبطال الجهد الهندسي بالكشف عن المنطقة وجمع المعلومات، وهنا سنحت الفرصة لمحمد بأخذ القليل من الوقت للتدوين:
نقضي العمر بحثا عن مفاتيح لندخل الى أناس لا ابواب لهم، ثم نأتي الى نجدتهم، لأن فينا ملوحة هذه الارض، وهذا قلبه من ورقٍ (مشيرا الى «زيد» وهو متبسّمٌ).. فهو لا يخشاهم؛ أو يشفقُ على جهالتهم عمّا نضحي به من أجلهم، فكيف نمسحُ خيانة جهالتهم وأكثر ما يمزق الورق الأبيض، عنف الممحاة!، فهم شركائنا في هذا الوطن؛ لكنّ بينهم مَنْ هُم أشبه بذاك الغصن الذي غادر الشجرة فعاد إليها فأسا، أمّا الأمل فما زال مُتّقدا ويوما ما ستأتي رياح الحقيقة.. لتعصفَ رمادَ الكذب الذي غطى وجوههم، فأكثر ما يقتل الروح ذاك الكلام الذي لا نستطيع البوح به.
يربّتُ «زيد» على كتفه بحنوٍ، ثم يقول له:
الناس يا صاحبي تحفر عيوبك على النحاس.. ويكتبون كثيرات فضائلك على التراب، لكنّنا نمتثل لفتوى مقدسة وواجب مقدس وإرادة صادقة لدحض العدو، ونجدة أنفسنا كما قالها سيدنا المفدى (دام ظله الوارف).
رجع ابطال الجهد الهندسي بعد كشفهم عن سلامة الطريق، لكنّهم نقصوا بطلا، عاجلا ما استفهم عن غيابه آمرهم (أين هو؟)، ليسرد الباقون أنه استشهد اثناء معالجته لعبوةٍ مفخخة عند باب البيت المهجور، ولم يبق منه سوى ذكرى بطولته، ووصية له جعلها أمانة في اعناقنا اذا عدنا، فحوقل وكبّر الجميع ثم حزموا امرهم بالتحرك نحو الدار المهجورة التي تأمنّت، فعجّلوا بالذهاب إليها وتهيئة أمور العملية، لكن هذا الحدث أضرم ثورةً عارمةً في «محمد» للكتابة عن زميله الشهيد:
انه ما عندي خيم حركوهن وضحيـــت ولا عنــــدي اخت مشوها مسبية
انه النــــــــاذر شبـــــــاني لأجل الديــــن وبأربعتهم ضحيت بيوم المنية

خشى أن يصبح الوطن تابوته، فما كانت له حتى جنازة؛ بل ذكرى هي وصية أبى أن يواريها - (فذاك الشهيد الباسل هو رابع الأبناء الشهداء لأبٍ كبير القلب واللب)، كان قد كتبَ بيتا شعريا لوالده طلب أن يرسل هذا البيت لأبيه حتى يواسيه ويذيعه أينما حلَّ:
ما إن دخلوا الدار اخرج آمرهم مخططات وخرائط جمعهم حولها وبيّن خطته لنجدة الاسرى وإجلائهم من سطوةِ الارهابيين، وختم قوله:
ليعلمَ جميعكم.. قبل أن تخوض حربك، تأكد أن الخصم يستحق أن يكون نِدك، وهؤلاء هم أشقياء هذا العصر ونحن سنكون معاول دفنهم.
وعلى مقربة من القرية انطلق من الفصيل بطلان كربلائيان ودخلاها متسللين الى كنف احدى الدور في القرية ومنه الى أسطح الدور الأخرى؛ وكان أحدهما صغيرا أبن الثامنة عشر ربيعا والآخر في عقده الثالث من العمر، وقد كلفهما الآمرُ بجمع المعلومات والعودة بعد (24) ساعة، إلا أن للقدر شأنا آخر ليوقعهما في الأسر لدى ارهابيي داعش فيسوماهما سوء العذاب بغية أن يتكلما.. لكنّ صبرهما تجلىّ على ما يلاقياهُ من تعذيب، فبرز لهم شقيٌ بلحية كثة يرتدي ملابس من زمن الجاهلية واضعا قلنسوة حمراء على رأسه، راح يجرَّ بالمقاتل الصغير من نهاية حبلٍ ربطوا فيه يديه الى الخلف وهو يفتعل ضحكات الضباع ثم جعله في كومة قش لحرقه أمام صاحبه فضرم بيده فتيلا وألتفت الى الثلاثيني يستجوبه عن بقية الفصيل؟ وهدده إن لم يقل حرق أمامه هذا الشاب، أو يقول له لتشملهما رحمة الامير.
يقطع نعيقه ذو الثمانية عشر ربيعا:
متى كان الظلم هو الرحمة..
احرقوا الصغير وسيغرد الكبير أين هم الباقين؟
لكنّ بينهم من أراد التلذذ بقتله فهو أكثر وحشية وقسوة، فوجه بحرقة وهو معلق على مشنقته.. فقطع الصغير بعمره الكبير بعقيدته أحاديثهم المشؤومة بصرخته وهو متجهّم: «هيهات منّا الذلة»، وألتفت الى صاحبه الثلاثيني قائلا:
ان أنا استشهدت فأرجوك قمْ بزيارة امي العجوز في القرية وأخبرها اني استشهدت ببسالة، وأني كنت توّاقا لسماع صوت صغيرتي نرجس.
تقطع حديثه لكمة حاقد بينهم، وفي اخر لحظة قبل أن يضرم أشدهم خبثا النارَ في القش وهو معلقا ينتظر الآجال، يصرخ بهم خادم أميرهم وهو يدخل بخطوات قدميه الطويلتين:
لا تفعلوا فيضيع أجرنا.. إن لهما تدبيرا أعده الامير.. فجهزوهما وضعوهما في المركبة سآخذهم بنفسي إليه.
مرّ أكثر من ثلاثين ساعة على المهمة الاستكشافية والفصيل كان قد اعد كمينه على الطريق للانقضاض على دوريات داعش بعد أن قطعوا الامل من نجاة بطليهما.. وبينما هم على أهبة الاستعداد تصل سيارة الخادم فيرشقونها بالرصاص ويقتلون من بادلهم اطلاق النيران ثم تقف السيارة على بُعدٍ ويركضون نحوها ظنا منهم ان الامير بداخلها لكنّهم يعثرون على صاحبيهما الأسيرين مكبلين ورأسيهما موشحين بأكياس سوداء.
وجراء رمي الرصاص انفجرت اطارات السيارة وفقد السائق السيطرة فاصطدام بشجرة ابطأت سرعتها؛ وارتطم رأس السائق والخادم بالزجاج ثم برأس كل منهما ففقدا وعيهما.. فيما قُتِلَ جميع من كان في صندوق السيارة المكشوف؛ وأنجدوا صاحبيهما المقاتلين.. وهنا محمد سطرَ عبارته:
جئناهما كالرياح في وقت هما كالجمر فحرقنا لأجلهما الجميع.
وقبيل رفع الاكياس السوداء عن رأسيهما ظنّا أننّا سنحزُ اخر ورقة من اوراق عمريهما بدون أن ينبسا ببنت شفة، فيتشهدا في هنيهة كانت الاطول بلحظاتِها في حياتِهما ومع شهادة التولية بعد اكتمال ازالة الكيسين عن رأسيهما تجتاحهما فرحة تغمر محياهما وتطفئ نار الشوق للشهادة في احدهما، لكن بطلنا الثلاثيني كان يصارع الحياة فثمة قطعة حديدية مزقت أحشاءه وتركنا على اثرها شهيدا محتسبا..
لم يقبل الشاب التخلي عن مهمته والذهاب؛ بل الرجوع لتحرير اللواتي وصلن للمقر قبيل خروجهما منه وطلب من آمر الفصيل بإنجاز المهمة وتحرير الاسرى، فكانت نخوته وشغفه لإتمام المهمة ما سرَّ آمره، فطلب من باقي الفصيل تطبيبه ونقل زميلهم الشهيد الى مركبة اخرى، ثم التهيؤ لساعة الصفر، وراح «محمد» يقطف كلماته لمدونته عن بسالة زميليه الذين عاد احدهما للتو من الأسر، وشدّه أكثر موقف استرسال ذي الثمانية عشر عاما بالحديث عن ايصال سلامه لوالدته العجوز وابنته نرجس، ظنّا منه أنها اللحظات الاخيرة من حياته، فاجتاحته رياحا عارمة بأنه سيمضي شهيدا:
بينما ارتدي ديباج الشغف.. ولا تسعفني قواميس البلاغة.. للتشكُر ممن أنعَمَ عليَّ بشرف خدمته، شكر وثناء لا يفيه حقه وعطاءه.. انا ذاك الصغير الذي كَبرَ بالحسين عليه السلام.. فمن أيّ أبواب الثّناء سأدخل إليه، وبأيّ أبيات القصيد أعبّرُ له، وعن جوده وأكفّه للمكرمات كيف أسطر؟.. فليست كل ألسني تفيه!!!.. ولا أحرفي تملُّ عن أماني شفاعته.. لكنّي رجوته ودعوت الله به أن تكون طفلتي التي تأكل حزني كله بضحكتها، تحت عنايته ومن محبيه وخادماتهِ، فقلبي يشتعل انتظاراً لسماعها، وصبابتي للقياها مورقة وإن كنت معلقا بمشنقتي، فالانتظارُ حبسني داخله وأسرَ مشاعري كورقةٍ خضراء تداعبها هبات رياح قاسية وسط صحراء الاماني.. فاشتاقها حدّ اليباسِ، ولا يرويني شيئا سوى قولها: بابا.
بعضُ الناس يمتلكون رؤوسا لا يستفيد منها سوى الحلاق، وهؤلاء حتى الحلاق لم ينتفع منهم، كلمات الثلاثيني لأبطال الفصيل بعد سؤالهم عن ارهابيّ داعش، فقهقه الفصيل وحدّثهم الآمر:
أحيانا.. عندما تجتاحك بعض المعارك تصبح أنت الجيش والمحارب والقائد في آن واحد.. لتعلمك أن القدر لا يهب المعارك إلا للأقوى، لذا حدثوني أين هو مكان الأسرى قبل مجيء المزيد من ارهابي داعش..
كل لحظة تمر في هذه المهمة الخاصة لا يستطيع محمد ألا تدوينها أو يكتب عنها شيئا، وهو يتساءل أين العالم من هذه الجرائم:
ضجيجُ صمت العالم يؤرقنا، وصمتنا عنهم يضج بالكبرياء، أولئك الأدعياء يقتادوهن سبايا، وسياطٌهم تصلي عليهن متى شاؤوا..
و «محمدٌ» لم يكن مقاتلا فقط؛ فهو يبحث في ذاته عن اشتعالات أُخرى، يهبُ بها للتاريخ أحداثا حقيقة لم يشوبها شيء ولم يشوهها بعد اي حاقدٍ فهي مفخرة للأجيال القادمة بما حققه ابطال الحشد والقوات المسلحة من بطولات ومواقف انسانية لا يمكن أن يشوهها الاخرون، فكان قلمه يسطّرُ كل خطوة في مهمته الخاصة ويدعو أن يكون له شبيها في باقي الفصائل ليوثقوا ما ينجزونه، كما وجهت المرجعية الدينية العليا..
قبل المباشرة بخطة الهجوم لتحرير الاسرى، ارسل الآمر اشارته الى قيادته بطلب التعزيزات لنقل من سيتم إجلائهم من القرية المنكوبة، ومع ساعة الصفر استبسل جميعهم وانقض كل منهم يصطاد فريسته ببراعة ودون ان يشعر العدو بحركتهم، وبين البيوت بيتا جعله الارهابيون مقرا لقتل وتعذيب من يأسرون من الرجال وهم يقفون على نحرِ مواطن حاربهم حتى قُتل جميع ابنائه وابناء قريته أمامه وبقي وحيدا مع النساء، وكأنه ذبيح بث فيه الله قوة استبسال حتى خشاه كل من همَّ لذبحه.. فباغتهم آمر الفصيل برشقة رصاص اقبرتهم جميعهم، وانقذ الرجل، فكثرت المشاهد وتصدعت النفس بوحشية هؤلاء واحمرت الخطوات في القرية من التنقل بين بيت وآخر لإجلاء الأسرى في عين محمد، فكتب:
ذبيح يرعبهم، ونساء تثبرهم، فيهرعون الى قتلِهم دون منازلتهم، أوباش قهرناهم ببأسنا لكنهم علمونا اننا لا نُكسر، وأنه لا يوجد جهازٌ لقياس الوفاء ادق من المواقف، وعلمنا الاسر أن لا نكون عصا بيد الاعمى؛ فأن اول شيء يقدم عليه هو كسرنا بعد ان يرى، فآلينا ان نكون وحيدين في طريق الحق لا قادةَ سربٍ في طريق الباطل.. ولا زلت اقطف من المهمة الخاصة، فنحن الذائدون تقبلنا الاسرى حتى قالوا فينا: من يتقبلك وانت منطفئ يستحق كل الحب والاحترام.
وصلت مركبات كبيرة من اللواء لنقل عشرات الأسرى من قرية «ياسين الحلبوص» واجلائهم الى اماكن أكثر أمناً، فانحنيت مع باقي الابطال لنكون سُلّماً تطأه أقدام الاسرى للصعود الى المركبات، وجعلنا مركبة منها لنجدة الحيوانات ايضا، وقبل مغادرتنا القرية ذهبتُ مسرعا الى السيارة التي فيها زميلنا الشهيد الثلاثيني، وكان فائضا بدمه، وقبل تشغيل السيارة صعد معنا زميلنا البطل الذي رافق الشهيد في المهمة الاستكشافية واخبرني انه مطمأن لأن في بيته زوجة صالحة ستكون هي الاب والام لأسرته.. وراح يحدثني عن صبره وتحمله وكيف ارعبت نظراته الحادة صغار داعش، ومنها تجلت صورة ولا اروعها عن نخوة أرملته فكانت آخر ما دونه محمد في مهمته الخاصة:
مكانه يبقى فارغا.. وفراغه أجمل الحاضرين.. تمتمة أرملته التي تضع مصروف أيتامه في ثيابه المعلقة لتطمأنَهم انه لا زال يغدق عليهم بخيره.
(حي ميت جيبك ينطيني)